الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

256

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ( 1 ) . الآية التالية تؤكد أن ذلك ليس أكثر من تمن كاذب ، وإنما تمنوه لأنهم رأوا في ذلك العالم كل ما كانوا يخفونه - من عقائد ونيات وأعمال سيئة - مكشوفا أمامهم ، فاستيقظوا يقظة مؤقتة عابرة : بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل . غير أن هذه اليقظة ليست قائمة ثابتة ، بل إنها قد حصلت لظروف طارئة ، ولذلك فحتى لو افترضنا المستحيل وعادوا إلى هذه الدنيا مرة أخرى لفعلوا ما كانوا يفعلونه من قبل وما نهوا عنه : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه لذلك فهم ليسوا صادقين في تمنياتهم ومزاعمهم وإنهم لكاذبون . ملاحظات : 1 - يتبين من ظاهر بدا لهم أنهم لم يكونوا يخفون كثيرا من الحقائق عن الناس فحسب ، بل كانوا يخفونها حتى عن أنفسهم ، فتبدوا لهم جلية يوم القيامة ، وليس في هذا ما يدعو إلى العجب ، فالإنسان كثيرا ما يخفي عنه نفسه الحقائق ويغطي على ضميره وفطرته لكي ينال شيئا من الراحة الكاذبة . إن قضية مخادعة النفس وإخفاء الحقائق عنها من القضايا التي تعالجها البحوث الخاصة بنشاط الضمير ، فقد نجد الكثيرين من الذين يتبعون أهواءهم يتنبهون إلى أضرار ذلك عليهم ، ولكنهم لكي يواصلوا أعمالهم تلك بغير أن تنغصها عليهم ضمائرهم - يحاولون إخفاء هذا الوعي فيهم بشكل من الأشكال . غير أن بعض المفسرين - دون الالتفات إلى هذه النكتة - فهموا من ( لهم ) ما

--> 1 - ينبغي الانتباه إلى نقطة مهمة في الآية : في القراءة المشهورة التي بين أيدينا " نرد " مرفوعة و " ولا نكذب " و " نكون " منصوبتان ، مع أن الظاهر يدل على أنهما معطوفتان على " نرد " وخير تعليل لذلك هو القول بأن " نرد " جزء من التمني ، و " ولا نكذب " جواب التمني ، و " الواو " هنا بمنزلة " الفاء " ومعلوم أن جواب التمني إذا وقع بعد الفاء كان منصوبا ، إن مفسرين كالفخر الرازي والمرحوم الطبرسي وأبي الفتوح الرازي أوردوا تعليلات أخرى ، ولكن الذي قلناه أوضح الوجوه ، وعليه فهذه الآية تكون شبيهة بالآية ( 58 ) من سورة الزمر : لو أن لي كرة فأكون من المحسنين .